إسلاميات

شريف أيمن يكتب : دعاة الإلحاد ومحاربوه

مساء يوم الجمعة الماضي، انتهت أعمال المؤتمر التأسيسي للتنسيقية العالمية لمعالجة الإلحاد، وبحسب البيان الختامي الصادر عن المجتمعين، فقد "خلص المجتمعون من الهيئات والمؤسسات والأفراد إلى ما يأتي:

•    تدشين التنسيقية العالمية لمعالجة الإلحاد اعتبارا من هذا اليوم بعضوية 67 مؤسسة متخصصة في هذا المجال من مختلف دول العالم.

•    اعتماد ميثاق تعاون المؤسسات العاملة في مجال مواجهة الإلحاد.

•    تدشين موقع الكتروني للتنسيقية لعرض منتجات المؤسسات المشاركة جميعا، وكافة المواد الداعمة لمعالجة الإلحاد.

•    الاستمرار في التعاون وتنسيق الجهود بين هذه الجهات والمؤسسات، بما يحقق التكامل بين ما تملكه من خبرات متعددة ومتنوعة.

•    اعتماد منهجية متفق عليها بين كافة المؤسسات لمتابعة العمل وتطويره في المرحلة القادمة.

كما توصي التنسيقية كافة المؤسسات بالتركيز على:

•    أهمية ترسيخ اليقين في نفوس المسلمين وخاصّة الشباب والناشئة.

•    الاهتمام الخاص بتنشئة الأطفال على قيم الإيمان وتزويدهم بالمعارف اللازمة للوقاية من الأفكار المنحرفة.

•    متابعة ما يثار من شبهات والرد عليها بالردود العلمية المناسبة".

باعتبار الخلفية الثقافية والدينية يتفاعل المرء مع مثل هذه الدعوات، لكن الإشكال الحاصل هنا أن ثلة من القائمين على هذه التنسيقية شاركوا (ولو بدون عمد) في حَرْفِ شباب عن الدين، بما صنعوه في الفترة التي تلت الثورات العربية، خاصة في مصر، إذ ربطوا بين ما يفعلونه وبين النص الديني برباط لا ينفصم، كما صوّروا وزيّنوا لقواعدهم، فلما أخفقوا وتنازعوا فيما بينهم اهتزت مفاهيم كانت راسخة لدى "دعاة المستقبل". ولما تنعّمت ثلة من قيادات هذا التيار الديني (بتنوع أفكارهم) في أموال التنظيمات، وتم سحق الشباب أو تسليمهم كما يُقال في بعض الأوساط، اهتزت مفاهيم أخرى متعلقة بالقيادات الربانية التي اختارها الله لقيادة التنظيمات. ومع أن المُسَلَّم به أنه لا يحدث في مُلْك الله إلا ما يريد، فإن مفهوم القيادة الربانية تحريف ولَيٌّ لمُسَلَّمة الهيمنة الربانية على الملكوت.

الحاصل أننا بِتنا نسمع عن الشباب الذي يرقب فتيات الليل بعدما كانوا نُسَّاك الليل، وبتنا نسمع عن نازعات غطاء الرأس بعدما كُنّ مستمسكات به، وبتنا نشهد ما يُسمّى بمراجعة المُسلّمات أو "التحليق فوق الأديان". وجرى ذلك كله ممن كانوا أو كُنَّ دعاة المستقبل، فإذا كان ذلك الحاصل ممن تلقى قسطا من التربية الدينية، فما المتوقّع ممن غاب عنه أو عنها ذلك القسط؟

لم تشهد المجتمعات المسلمة ما يمكن أن يُسمى بظاهرة الإلحاد، بل هناك حالات إلحاد ولا يبدو عليها استقرار قناعة بقدر ما يبدو أنه رد فعل لتوالي صدمات أو أفكار مشوشة. لكن شهدت الحركات الإسلامية ظاهرة انحراف القيادة لا عموم التنظيم، كما شهدت ظاهرة الخواء الفكري لعموم التنظيمات وقياداتهم، وفي مقابل هذه الانحرافات فقدت تلك الحركات مصداقيتها الدعوية. وكانت الحركات الدعوية الأهلية بمثابة خطوط الدفاع المتقدمة ضد أي أفكار شاذة أو منحرفة، لكنها بقُبح قيادتها، وبإخفاق سعيها، وركاكة تأصيلها، سقطت وسقطت معها خطوط الدفاع الأولى، والمؤسسة الرسمية كانت بطبيعتها فاقدة للمصداقية، فخلت الساحة أمام تشويه الحركات الدينية وتحريف المفاهيم الدينية كذلك. فما يحتاجه المجتمع بحق، إعادة تقييم مسار الحركات الدينية في العقدين الأخيرين تحديدا، إذ لا يمكن لمجتمع يتبوأ الدين فيه المكانة العليا أن يتماسك دون وجود تنظيمات تحيي هذه القيم وتحافظ عليها، سواء كانت تنظيمات أهلية أو رسمية.

الشباب الذي توجه إلى مفاهيم شاذة عن الكون والوجود، يحتاج بالضرورة إلى النقاش العقلي، لكنه أحوج إلى القدوة السلوكية، إذ كان سلوك التنظيمات الدينية هو منشأ الشذوذ، فبات حُسن سلوكهم كذلك لازما للاستقامة، أما المؤتمرات والندوات دون قدوات فهي تزيد الهوّة ولا تجسرها، وتشعل سخط الحائرين ولا تُذهِب قلقهم. ثم لا يمكن لمن كان سببا في إشكال بهذه الكيفية أن يكون جزءا من الحل، والعجب من الجرأة في الاستمرار بتصدر المشهد الدعوي والسياسي بعد هذه الإخفاقات المتتالية.

يُنسب إلى الشيخ محمد الغزالي قوله: "إن انتشار الكفر في العالم يحمل نصف أوزاره متدينون بغّضوا الله إلى خلقه بسوء صنيعهم وسوء كلامهم". وهذا ما ينطبق على الحالة العامة للخصومة مع الفكرة الدينية اليوم، سواء على مستوى الاجتهاد السياسي للحركات السياسية الإسلامية، أو على مستوى سلوك بعض المنتسبين إليهم، كنائب الزنا في برلمان 2012، أو الذين أثاروا قضايا لا تمس احتياجات المجتمع بقدر ما تمس فهما شاذا كزواج الصغيرات، أو ما شابه ذلك من أمثلة، أو على مستوى الوعظ والخطابة وشغل المنابر بأقضية التوحيد والشرك الديني (مع أهميتها)، مع تذليل المجتمع في قضايا الحاكمية وجعل الحاكم فوق كل نقد وهجوم.

كل المقالات المنشورة تعبر عن رأي الكتاب ولا تعبر بالضرورة عن رأي بوست برس

تعليقات

لا يوجد تعليقات لهذا المقال ..

Follow by Email

مباشر
مباشر