تقارير

“كورونا والدين”.. كيف تعاملت المجتمعات المسلمة مع هذا الوباء؟ (1 )

كان تفشي فيروس كورونا بمنزلة الصدمة للعالم أجمع، وخاصة المسلمين، الذين يعاني قسم كبير منهم من حروب وأزمات، ليضاف الوباء العالمي عليها، ما أثار بعداً دينياً للحالة برمتها. وكان من أبرز الصدمات التي تلقاها المسلمون بعد ازدياد عدد الإصابات وارتفاع معدل الوفيات هو إغلاق كافة المساجد حول العالم تقريباً، وتعليق إقامة صلوات الجمعة والجماعة حتى إشعار آخر، ومن بينها الحرمان الشريفان في مكة المكرمة والمدينة المنورة. ورغم أن الحادثة قد تكررت في التاريخ الإسلامي فإن قبولها من قبل العقل المسلم لم يكن سهلاً، خصوصاً مع وجود أصوات مشيخية لم ترَ أن إغلاق المساجد -خصوصاً الحرمين- جائزاً في ظل هذه المحنة التي يعاني منها العالم، فيما كانت غالبية المجاميع الفقهية المعتبرة بالعالم الإسلامي مع تعليق ذلك منذ البداية. وعلى صعيد متصل تأخر أتباع المذهب الشيعي بإصدار فتوى تجيز إغلاق المقامات والأضرحة، وبقيت عدوى فيروس كورونا تنتشر منها بشكل كبير، كما حصل في إيران والعراق على وجه الخصوص، بل دعا بعض المعممين والمشايخ للإكثار من زيارة الحوزات التي تضم قبوراً بغية الاستشفاء، وهو ما كان عكسياً بشكل تام. وإن كان التساؤل الذي يطرح نفسه ليس موضوع إغلاق الجوامع والمساجد، إنما البعد الديني لفيروس كورونا وأثره على المجتمعات المحافظة في ظل بقاء مئات ملايين المسلمين في بيوتهم. التسليم والأخذ بالأسباب ولعل الأمر الأكثر بروزاً مع انتشار فيروس كورونا في العالم الإسلامي هو: ما مدى إمكانية مواجهة فيروس يصيب الناس ويقتلهم ويمنعهم من إقامة الشعائر في المساجد، ويقف حاجزاً أمام الذهاب إلى أعمالهم بشكل يومي للحصول على قوت عيالهم ويبقيهم في بيوتهم ينتظرون "الفرج"؟ ولا شك أن وسائل التواصل الاجتماعي لها دور محوري اليوم في تشكيل "الوعي" لدى الكثيرين من المجتمعات، ومن ضمنها المسلمة، حيث تنتشر مجموعات "الواتساب" و"التلغرام" ومنشورات الفيسبوك وتغريدات تويتر ومقاطع يوتيوب وإنستغرام وسناب شات، التي تتناقل في كثير من الأحيان معلومات يأخذ الوعظ الديني والأحاديث مساحة كبيرة منها. ويشكل الإيمان بالقضاء والقدر لدى المسلمين أحد أهم الأسلحة النفسية والداخلية التي يواجهون بها أي مصيبة أو أزمة أو كارثة، باعتبار أن ذلك من مقدرات الغيب وأن على المسلمين الأخذ بالأسباب الموضوعية لمواجهته. وينطلق المسلمون في ذلك من نصوص قرآنية وأحاديث ثابتة عديدة ومتنوعة حول الأمراض والمصائب والنوازل، والدفع لمواجهتها بالأخذ بالأسباب عبر التداوي والحيطة من أخذ العدوى. ففي موقع "إسلام ويب" البارز طُرح سؤال على زواره قائلاً: "فيروس كورونا أربك العالم كله، وفي الابتلاء به كثير من الدروس والعبر، فأي درس تراه أهم؟ "الأمر كله لله فعلينا أن نعلق القلوب به ونعود إليه. تقوية المنظومة الصحية في كل بلد. أهمية النظافة والوقاية والأخذ بالأسباب. أهمية التكاتف والتعاضد بين العالم كله للقضاء على مثل هذا الوباء. كل ما سبق". وكان لافتاً من التصويت مدى التسليم القدري باعتبار أن الأمر كله لله، حيث حاز 47.7% من أصوات زائري الموقع، فيما كانت نسبة الخيارات الأخرى قليلة، والنسبة التالية هي لكل ما سبق 44.7%. في المقابل كان هناك تسليم قدري من نوع آخر يراه البعض عبثياً؛ وهو مواجهة الفيروس باللامبالاة وعدم أخذ الحيطة والحذر، واستمرار الوضع على ما هو عليه بالمصافحة، واستمرار الحياة كما هي قبل تفشي الفيروس، وهي حالة وإن كانت مستنكرة "دينياً" لأن الشخص "يودي بنفسه إلى التهلكة" بتعريضها وعائلته لمخاطر الإصابة، إلا أن قسماً واسعاً من المسلمين في العالم ما زال يسلكها. وهو ما دعا حكومات كثيرة في دول إسلامية لفرض تدابير احترازية مشددة؛ مثل حظر التجول الجزئي، ومنع التجول إلا لحالات استثنائية، وفرض غرامات باهظة على المخالفين. تطوع ومبادرات كما كان لافتاً مع تناقل أخبار انتشار الفيروس بشكل يومي في العالم وارتفاع معدلات الإصابة والوفاة (والشفاء من الفيروس أيضاً)، ازدياد التكاتف بين المسلمين، إذ انتشرت دعوات كثيرة على مواقع التواصل الاجتماعي لمد يد العون ومساعدة الآخرين. فقد انتشر العديد من الحملات التطوعية والمبادرات حول العالم لمساعدة الآخرين، وإن لم تكن محصورة بالمسلمين، إلا أن الدافع الديني أيضاً ساهم في ازديادها بالدول الإسلامية، لارتباطها بالأجر والثواب في الآخرة. ففي مصر ذكرت صحيفة "اليوم السابع" المحلية أن "شباباً بمدينة الغردقة قاموا بإطلاق مبادرة حملت اسم (في الخير مجتمعين) لتوزيع المطهرات والمنظفات، وقياس حرارة المواطنين بالمجان في الشوارع، ومسح مقابض المحلات وماكينة الصرف الآلي للنقود وتعقيمها، وذلك ضمن الإجراءات الوقائية والاحترازية لمنع انتشار كورونا.

تعليقات

لا يوجد تعليقات لهذا المقال ..

Follow by Email

مباشر
مباشر