فلسطينيتنا

رضوان الأخرس يكتب : النكبة والندبة!

النكبة شكلت الواقع الفلسطيني وجزءا كبيرا من أفكار الفلسطينيين وتصوراتهم ونمط حياتهم، مثّلت نقطة تحوّل فارقة، أصبحت القضية جزءا من حياة الفلسطينيين، وسمة عامة يعيشونها، يلاحقونها وتلاحقهم.

وينبغي أن تظل «النكبة» حاضرة لأنها تعيد تلخيص القضية وتشرح جوانبها وأصولها، وتجاوز ذلك يعني المساهمة في طمسها وطمس الحقوق الفلسطينية، فهي ليست مجرد كلمة وذكرى عابرة، إنما حياة عاشها وما زال يعيشها الفلسطينيون.

إن بقاءها حاضرة في نفوس الأجيال وأفكارهم يتطلب جهدا إعلاميا وأدبيا ودراميا في مجال الرواية والإنتاج والكتابة، واستخدام وسائل وأدوات النشر كافة، إن الفلسطينيين نعم يولدون ومعهم قضيتهم بالأساس، وحتى إن كان ذلك صحيحا فقد لا يشمل الجميع، وقد تولد تلك القضية أو تكبر في نفوسهم مشوهة، أو منقوصة الحقائق والمعالم.

غير أن المعنيين بتلك القضية ليس الفلسطينيون وحدهم، فهي قضية العربي؛ لأن الاحتلال ينهب أراضي عربية غير فلسطين، ولأن الفلسطينيين عرب وهذه الأرض والقضية لهم جميعا بمنطق التاريخ والمصاهرة والأنساب، وبمنطق المروءة والنخوة والكرامة والشهامة التي تمثّلت في نفوس العرب منذ القدم، والمسلم هي قضيته ليس لوجود المقدسات فيها فحسب، وإنما لأنه في اعتقاد المسلمين أنهم أمة واحدة، والدماء واحدة، والأرض واحدة، والأعراض واحدة، فما يُصيب المسلم يصيبهم، وما يُصيب أرضا من أراضي المسلمين كما لو كان أصاب أراضيهم جميعا، تلك معان من جملة معان عديدة، بالإضافة إلى قيم وجوب نصرة المظلوم ودفع الظلم، كما أنها قضية كل حر، يؤمن بالعدالة والحرية وحقوق الإنسان، وما إلى ذلك.

إن تلك البديهيات على بساطتها بالنسبة للكثيرين، إلا أن إعادتها للحضور الدائم وغرسها في الوجدان يتطلب الكثير من الجهد، خصوصا أننا نرى جهودا في الاتجاه المعاكس تعمل على تغييبها وحذفها من وجدان واعتقاد الأمة.

من بين تلك المعاني التي يجب العمل عليها هي جعل النكبة حدثا عربيا وإسلاميا وأيضا عالميا، مأساة يشعر كل إنسان بها، ويشعر بأن استمرارها يشكّل صفعة له وللإنسانية جمعاء، إن صنع الشعور بتلك الندبة في النفوس على النكبة يتطلب جهدا وعملا منظما ومخططا، وقد لا يشعر بها البعض مهما بلغ حجم الجهود «وما لجرح بميت إيلام».

فنحن لا نتحدث عن شيء فيه رفاهية الاختيار، بل قضية تتعلق بمصير شعب وتهدد مستقبل أمة، وتؤثر عليه بشكل مباشر، فقد وُجد كيان الاحتلال لأغراض استيطانية أوسع من أن تقف عن حدود فلسطين، لا بالجغرافيا ولا السياسة ولا المخططات، وهو كيان مدعوم بشتى أنواع الأسلحة والإمكانات من الغرب، فيتطلب من المعسكر الآخر أن يحشد كل طاقاته إلى جانب فلسطين، وإلا فإن المعركة لن تكون على أي حال متكافئة، بل إن من يستطيع أن يكون إلى جانب فلسطين ولا يفعل فقد خذلها وربما خانها.

لولا شيء من الدعم الذي وصل إليه، أو هو أقرب للواجب الأخلاقي والديني بالنسبة للكثيرين، لما كان له أن يستمر حتى بالبقاء على أرضه، في ظل وجود الاحتلال وسيطرته وتمكّنه مع ترسانة عسكرية بفارق هائل عما يمتلكه الفلسطينيون من سلاح وعتاد، فبحساب الأرقام والمنطق فإن من يطالب الشعب الفلسطيني بتحمّل تكلفة رفع الاحتلال وحده فكأنما يطالب الاحتلال بالبقاء والاستمرار. هذه مأساة عالمية، والمسؤولية تجاهها عالمية، واستمرارها صفعة للإنسانية جمعاء.

كل المقالات التي تنشر تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي بوست برس

تعليقات

لا يوجد تعليقات لهذا المقال ..

Follow by Email

مباشر
مباشر