منوعات وفنون

قاسم قصير يكتب : في زمن كورونا التجارب الإسلامية وضرورة المراجعة الشاملة

رغم الانحسار النسبي لانتشار فيروس كورونا في العالم، فإن تداعياته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والفكرية مستمرة، وإن كانت صورة العالم ما بعد كورونا لا تزال غامضة. وقد صدرت آلاف المقالات والدراسات والأبحاث خلال الشهرين الماضيين تتحدث عن هذه التداعيات والتوقعات المستقبلية للعالم وطبيعة الصراعات القادمة، لكن لم يستطع أحد حتى الآن تحديد طبيعة المتغيرات والتطورات المستقبلية بشكل حاسم، وكل ما يصدر هو في إطار التوقعات والتنبؤات بانتظار وضوح الصورة الكاملة، مع أن هناك من يتوقع استمرار انتشار الفيروس لأكثر من سنتين وأن علينا التكيف معه ومع وجوده.

لكن من ضمن الآثار الإيجابية لانتشار هذا الفيروس والحجر الذي فرضه على الناس والعالم؛ أنه شكّل فرصة للتأمل وإعادة النظر فيما يجري في العالم من تطورات، واستعادة التجارب السياسية والفكرية التي برزت خلال المرحلة الماضية، والدعوة لمراجعة كل التجارب الاقتصادية والاستفادة من ذلك للبحث عن عالم أفضل. ورغم إقفال المساجد والكنائس والمعابد واتخاذ إجراءات مشددة على صعيد الطقوس الدينية، فإن مسألة حضور الدين والإيمان بشكل عام، والدين الإسلامي خاصة، طرحت نفسها بقوة من ضمن القضايا الإشكالية التي تحتاج للبحث والتفكير.

ولعل التجارب الإسلامية خلال العقود الأخيرة، ولا سيما بعد الثورات العربية والربيع العربي، من ضمن القضايا التي تحتاج للبحث والتفكير والمراجعة في هذه المرحلة، من أجل تقييم أداء هذه الحركات والتجارب الإسلامية وكيفية مواجهتها لهذا التحدي الجديد، انطلاقا من تجاربها في الحكم والمجتمع والواقع، لأن قدرة أية حركة أو مجموعة لمواجهة مثل هذا التحدي تشكل امتحانا وميزانا لمدى صوابية الخيارات التي اعتمدتها طيلة السنوات الماضية في الحكم والسلطة أو المعارضة، أو مدى صوابية الأفكار والطروحات التي قدمتها حول نفسها وأفكارها وحول العالم.

وفي إطار إعادة تقييم التجارب الإسلامية في السنوات العشر الأخيرة، صدر مؤخرا في بيروت عن مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي في لبنان كتاب جديد للدكتور طلال عتريسي بعنوان: "بين صحوتين؛ الإسلام السياسي في شرق أوسط متحول".
 

تكمن أهمية هذا الكتاب في القراءة النقدية التي يقدمها لتجربة الحركات الإسلامية خلال السنوات العشر الأخيرة، وصولا لتجربة التنظيمات السلفية والمتطرفة والمتشددة، إضافة لدور إيران وتركيا وحزب الله وحركة حماس وحركات الإخوان المسلمين

وتكمن أهمية هذا الكتاب في القراءة النقدية التي يقدمها لتجربة الحركات الإسلامية خلال السنوات العشر الأخيرة، وصولا لتجربة التنظيمات السلفية والمتطرفة والمتشددة، إضافة لدور إيران وتركيا وحزب الله وحركة حماس وحركات الإخوان المسلمين خلال تلك الفترة.

وهو ينطلق من التطورات التي حصلت بعد الثورات العربية، ووصول عدد من الحركات الإسلامية إلى الحكم، وما قام به تنظيم داعش بعد السيطرة على أجزاء كبيرة من سوريا والعراق، ودور حزب الله في سوريا، وكل التداعيات الناشئة عن هذه التطورات.

والدكتور طلال عتريسي من الباحثين المتخصصين في الحركات الإسلامية والشؤون الإيرانية، وتولى مواقع أكاديمية وفكرية وبحثية عديدة، وله العديد من الكتب والدراسات المتخصصة.

ويتضمن الكتاب عدة موضوعات أساسية وهي التالية: أسئلة الثورات، في رئاسة مصر وأخطاء الإخوان الاستراتيجية، حول استعادة الإسلام السياسي السني دوره، تلاشي دولة الخلافة، التباعد التركي- الايراني بعد الربيع العربي، حماس بين استراتيجيتين، حزب الله ما بعد القتال في سوريا، إيران وفرص الصحوة الإسلامية وتهديداتها.

وأهمية الكتاب تكمن في محاولة قراءة التجارب الإسلامية من الداخل، والحرص على الموضوعية بعيدا عن المواقف المسبقة، وإعادة قراءة المشهد الإسلامي بعد التطورات التي شهدتها المنطقة العربية والإسلامية في السنوات العشر الأخيرة.

ويشكل الكتاب مدخلا لإعادة الحوار والنقاش حول المشروع الإسلامي السياسي، وآفاق هذا المشروع في المرحلة المقبلة في ظل الخيبات التي تعرض لها، والنجاحات التي حققها في بعض الساحات. وهو يضاف إلى العديد من الدراسات والأبحاث والكتب والمقالات والتي نشرت خلال السنوات الاخيرة حول تجارب الحركات الإسلامية، إضافة لما عقد من ندوات ومؤتمرات واجتماعات معلنة وغير معلنة.

واليوم، وفي زمن كورونا، قد نكون جميعا بحاجة لاستعادة كل هذه التجارب وإعادة تقييمها بهدوء بعيدا عن الانفعالات والمواقف المسبقة، ودراسة نتائج هذه التجارب، سواء كانت في السلطة أو المعارضة أو في إطار المقاومة، أو على صعيد العمل الاجتماعي والتنموي والتربوي والدعوي، إضافة للأفكار والطروحات التي قدمت حول العالم وآفاقه ومستقبله.
 

قد نكون جميعا بحاجة لاستعادة كل هذه التجارب وإعادة تقييمها بهدوء بعيدا عن الانفعالات والمواقف المسبقة، ودراسة نتائج هذه التجارب، سواء كانت في السلطة أو المعارضة أو في إطار المقاومة

ورغم بعض الخيبات والاشكالات التي رافقت هذه التجارب في بعض الأحيان، فإنه من الواضح اليوم أن الفكر الديني عامة والإسلامي خاصة لا يزال حاضرا بقوة في العالم، وهو قد يشكل في المرحلة المقبلة حاجة ضرورية للإنسان والكون لمواجهة التحديات المختلفة، لكن ذلك يتطلب مقاربات جديدة وأفكارا جديدة، وإعادة النظر بالاداء خلال السنوات الماضية.

كتاب الدكتور طلال عتريسي وغيره من الدراسات والأبحاث والكتب التي صدرت لتقييم التجارب الإسلامية؛ قد تكون مفيدة اليوم في هذه المرحلة الصعبة من أجل إعادة تقييم كل تجاربنا بروح موضوعية، وبعيدا عن السجالات والاتهامات وأجواء الشحن والإثارة، فهل يستفيد الإسلاميون والحركات الإسلامية من هذه الفرصة الجديدة التي أتاحها انتشار فيروس كورونا، ويعيدون روح الإنسانية والرحمة والتكافل والتضامن للدين الإسلامي بعد أن شوّهته بعض التجارب والطروحات المتطرفة في السنوات الأخيرة؟
 

twitter.com/KassirKassem

كل المقالات التي تنشر تعبر عن رأي من كتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي بوست برس

تعليقات

لا يوجد تعليقات لهذا المقال ..